الرئيسية > Uncategorized > المارونيّة – الأرض .. ولبنان – الميثاق

المارونيّة – الأرض .. ولبنان – الميثاق

إنّ الغنى الماروني المتمثّل بالانتشار في العالم، وبتعدّد المجالات الثقافيّة عبر القارات، كان يمكن أن يتفكّك، والشخصيّة المارونيّة ذاتها كان يمكن أن تتشظّى “لو لم يكن هناك مركز ثقل (Centre de gravité) معدّ لتأمين وحدة الموارنة والمحافظة على تماسكهم، وهذا المركز هو لبنان. ولقد كان هدف البطاركة التاريخي في نقل مقرّاتهم فوق الجغرافية اللبنانيّة من كفرحي إلى يانوح إلى إيليج إلى قنوبين إل بكركي بالإضافة إلى المستلزمات الأمنيّة، تأكيد ومباركة هذا الزواج الذي لا انفكاك فيه والذي يقوم على الحب بين الماروني وأرض لبنان”. فالمارونيّة كتبت تاريخها الحقيقي الأول، لا في كتب من ورق، بل في كتاب أرضها إذ جعلتها أرضاً للعطاء وللعبادة وللدفاع عن الذات. “فهي التعبير الأهم عن استقلاليّة الموارنة، وهي أفق حياتهم الوحيد”. لقد كان الزمن الماروني الأول زمناً عامودياً، أي زمن الأرض اللبنانيّة المارونيّة بحدودها الجغرافيّة الطبيعيّة ولهذا ربطت المارونيّة أرضها بالسماء وأدخلتها في إيمانها وأعطتها بالتالي سمة القداسة. لقد صارت أرض لبنان أفقاً ومنطلقاً للموارنة، وهذا يعني الربط المحكم بين أرض لبنان وتاريخ الموارنة.

إنّ الأرض اللبنانيّة هي “إرث تكوّنت من خلاله وعليه الهويّة التاريخيّة المارونيّة” والموارنة مهما فعلوا في العالم “يبقون بحاجة إلى الأرض التي تجسّد هويّتهم الخاصة والتي تربطهم بتاريخهم العريق، تاريخ قداسة وصراع من أجل البقاء والشهادة على الإيمان والقيم الإنسانيّة”. فلقد ارتبط التاريخ الماروني بلبنان أرضاً ووطناً.. والأرض هي الوطن والكيان، وقيمتها هي في ما تجسّده من قيم وخبرة وبُعد حضاري ووجودي. ولقد ارتبط اسم لبنان بالموارنة باعتبارهم “جزءاً أساسياً من كيانه التاريخي والسياسي”، وحيثما ارتحل الموارنة وحلّوا، وتفاعلوا مع أوطانهم لجديدة، فإنّهم لن ينسوا أرض المنشأ، أرض لبنان التي تبقى في وجدانهم أرض أجدادهم وقديسيهم ومرجعيّتهم البطريركيّة”.. ولأنّ “الحفاظ على الأرض هو حفاظ على الهويّة، ولأن الحفاظ على الهويّة هو حفاظ على الكيان والديمومة”.

يصف الإرشاد الرسولي لبنان “بأنه مهد ثقافة عريقة وإحدى منارات المتوسّط. ولا يجهل أحد إسم بيبلوس التي تذكّر ببدايات الكتابة” وفيه أصبحت المسيحيّة “عنصراً جوهرياً من ثقافة المنطقة”، “والجماعات المختلفة فيه هي بالنسبة إلى هذا البلد ثروة فرادة وعقبة في آن… غير أن إحياءه هو مهمّة مشتركة”. لقد عمل الموارنة خصوصاً، والمسيحيون اللبنانيون عموماً، لتحقيق هدفين متلازمين على امتداد تاريخهم:

• إقامة لبنان الدولة والكيان والمحافظة عليه وتثبيت نهائيّته.

• تأكيد حضورهم فيه وبالتالي القيام بدور أساسي وفعّال داخل هذا الكيان.

وما دام للوطن بُعدان: حضور في المدى.. واستمرار في الزمن، فإنّ أرضه “أمّ تجب محبتها، فقيرة كانت أم غنيّة. إنّها الأرض المغذّية التي تختزن كنوز التاريخ، وقد شهدت وقائعه ورافقت أجياله، وطبعت جميع الذين أبصروا النور عليها وضمّتهم، في مساء العمر، إلى صدرها، ليروي الخلف عن السلف ما نسجه في حياته من تاريخ”. ولذا فإنّ “الذين يتخلّون عن أرضهم عن طريق بيعها، خاصة لغير اللبنانيّين، إنّما ينتهكون حرمة وطنهم وخاصة الذين يرقدون في طبقاتها على رجاء القيامة السعيدة”.

على أهميّة تعلّقنا بلبنان الأرض المقدّسة، ولبنان الرمز في تاريخ الموارنة، فإنّ لبنان، في ما يؤكّد ذلك ويتخطّاه ويبرّره دينياً وفلسفياً وتاريخياً هو قبل كل شيء، وبعد كل شيء “ميثاق من أجل قضيّة”. “فلكي يكون، لا يحق للبنان أن يكون كيف ما كان، فإمّا أن يكون قضيّة مطروحة على الإنسانيّة في الشرق وفي العالم أو لا يكون”. تلك هي دعوته التاريخيّة، وذاك هو معنى أن يكون “الوطن – الرسالة” كما وصفه الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني. هذا الميثاق بين الطوائف اللبنانيّة هو في جوهره فعل إرادة وفعل حريّة في آن. إنّه تجسيد لقيم روحيّة متفاعلة. إنّه مسألة تنمية وترقية للإنسان اللبناني – العربي – المشرقي، وليس مجرّد تسوية ثنائيّة كما يتوهّم البعض! إنّه لبنان الرهان، ليس على الأرض فقط، بل على القضيّة الإنسانيّة التي يطرحها وجودنا المميّز والذي لا شبيه له في صيغ العالم. وبهذا “فلبنان ليس ميثاقاً ثنائياً بين مسلمين ومسيحيّين بل ميثاق أقليات حضاريّة تقمّصت في طوائف بشريّة”.

الميثاق هو فعل ثقةٍ بالقضيّة اللبنانيّة صاغته، بل التزمت به الطوائف اللبنانيّة يوم هربت إلى هنا، وفي مقدمتها الطائفة المارونيّة، فقد خسرت كل شيء إلا تراثها الروحي الذي سلم وحده من التدمير. لقد أدركت هذه الطوائف، منذ نزولها في لبنان، أنّها إنّما جاءت لصون هذا التراث. وهكذا كان الميثاق جزءاً من دواخل ضمائرها، فصادقت عليه ضمناً كلّ أقلّية قادمة إلى هذه الديار قبل أن يُصاغ بتفاهم مكتوب أو غير مكتوب في مرحلة الاستقلال. ولأنّه تعبير عن إيمان وحقيقة وشرف “فإن ميثاقاً كهذا لا يجوز أن يُكتب لأن ضمانته الوحيدة هي الإيمان بالله والثقة بالإنسان”. وهذه القضيّة تمثّل أكبر تحدّ للإيديولوجيّات الشموليّة والعرقيّة والدينيّة والأصوليّة التسلّطيّة في المنطقة، وهو ما جعل هذه الإيديولوجيّات تعلن عداءها لقضيّتنا ولوجودنا من الأساس شعباً وكياناً ودولةً ونظاماً.. ولا تزال! وهو ما يحمّلنا جميعاً مسؤوليّة تاريخيّة كي نحمي وننقذ ميثاق الحياة المشتركة بين كافة الطوائف اللبنانيّة، والذي كان وسيبقى فعل إرادة وفعل حريّة في آن.

Advertisements
التصنيفات :Uncategorized
  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: