الرئيسية > Uncategorized > الثوابت التاريخيّة في سريانية لبنان

الثوابت التاريخيّة في سريانية لبنان

 مقدمة

 يقول المؤرخ البريطاني هوبل “إذا أردت أن تلغي شعبا تبدأ أولا بشلّ ذاكرته، ثم يلغي كتبه و ثقافاته و تاريخه، ثم  يكتب له طرف آخر و يعطيه ثقافة أخرى و يخترع له تاريخا آخر… عندها ينسى هذا الشعب من كان و ماذا كان والعالم ينساه أيضا…” هذا هو مختصر المعاناة التاريخية لشعبنا في الشرق: أما بالنسبة الى لبنان فيقول المؤرخ كمال الصليبي “إن الحرب المستمرة في لبنان هي في الواقع وبشكل أساسي، حرب تهدف إلى تحديد ماهية التاريخ الصحيح للبلد”.

 فقضية شعبنا الأساسية هي قضية هوية والمعركة الأساسية هي للمحافظة على هذه الهوية فالمرتكزات الأساسية تتعدى التاريخ لتشمل الدين واللغة والحضارة والثقافة بشكل عام… فاذا استثنينا المرتكز الديني نجد أن المرتكرات الأخرى غير مستقرة أبدا و تظلّ عرضة لموجات متتالية من التزوير أحيانا والإستيعاب أحيانا أخرى عبر مخطط تاريخي نلخصه بعبارتي التّعريب والتذويب، نعطي مثلا بسيطا من تاريخنا الحديث حيث أن التوافق الشفهي في ميثاق 1943 على أن ” لبنان ذو وجه عربي” و خلال خمسين سنة أدّى الى الإقرار خطّياً في دستور الطائف بأن ” لبنان عربي الهوية والانتماء”.

 فالعِبر التي علينا الأخذ بها تأتي  من محطات تاريخية عميقة القدم في تاريخنا لأن تاريخ لبنان لم يبدأ سنة 1943 ولا 1920 و لبنان لم يولد على يد فخرالدين الثاني لكنه ولد على يد السريان منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً. فعلينا أن نحافظ على تاريخنا الحقيقي هذا من جيل الى جيل لأن المعاناة  رافقها نضال تاريخي للدفاع عن قضية حق هي قضية الحرية وكرامة الانسان. وأخيراً إن حق الشعوب بتقرير المصير هو بند مدرج في مقررات الأمم المتحدة وعلينا كشعب سرياني مسيحي أن نقتنع بهذا الحق أولاً ثم نسعى للمطالبة به الى جانب الاقليات في هيئة الأمم المتحدة. ونحن كشعب مسيحي سرياني أشبه بالهنود الحمر في دفاعنا عن الكيان والهوية والوجود… وقضيتنا لها من التجذر و الشرعية بقدر قضايا مطلق شعب آخر… فلزام علينا اذاً أن نتعرف على قضية شعبنا بالعمق من جديد وذلك بالتنقيب عن تاريخنا الحقيقي الذي لن نجده في كتبنا المدرسية و لا حتى في كتبنا الجامعية الموحَدة والموحِدة من أجل الحفاظ على وجودنا كمجتمع و المحافظة على قضيتنا كشعب و عدم خسارة أرضنا كوطن…

 

1-     جذور الحضارة المسيحية السريانية الآرامية  

 إن تاريخنا كشعب سرياني آرامي له جذوره في الحضارة اليونانية الهلينية أيضاً مع احتياح الاسكندر المقدوني حوالي 330 ق.م. بالرغم من الوقت القليل الذي توحدت لها تأثير كبير على مدى قرون عديدة… 

ولكن عودة الى القضية اللغوية، فما هي اللغة التي كان يتكلمها سكان المشرق قبل فتوحات الاسكندر؟ انها ولاشك لغتنا السريانية الآرامية ونظرا لشهرتها وذيوع صيتها فقد أصبحت اللغة الآرامية اللغة العامية للشرق القديم ومن ثم الرسمية للامبراطورية الفارسية الاشمينية، قبل انقسامها الى عدّة لهجات مع قدوم الاسكندر والعصر الهلنسي “آرام العهد القديم تعني البلاد السورية” (1) P.Rodert: Dictionnaire des noms propres  “وكلمة البلاد السورية مشتقة من السريانية ” سوريويو” أي بلاد السريان وهي اللهجة الآرامية الشمالية. وهكذا تكون البلاد “السيرية” حسب التسمية اليونانية و من ثم الرومانية من نصيب سلوقس الذي أسس مملكة عاصمتها  أنطاكية حوالي عام 300 ق.م. هذه المملكة قد ظلّت في صراع دائم مع المملكة اللجيدية وعاصمتها الاسكندرية على مدى أكثر من قرنين و نصف القرن الى أن جاءت الفيالق الرومانية حوالي 64 ق.م. ووحدت المنطقة كلها تحت الاحتلال الروماني…

2-    المسيحية السريانية قبل الفتح الإسلامي

هذا التوحيد ” والسلم الروماني” الذي شمل حوض البحر الأبيض المتوسط سهّل البشارة المسيحية التي انطلقت من اورشليم لتصل الى روما ومجمل اوروبا مع حلول القرن الثاني ميلادي.أما البشاره في بلاد آرام فقد سلكت طريق المدن الكبرى من صيدا وصور الى دممشق وانطاكية “حيث دعيوا لأول مرة مسيحيين”. لكن المناطق الداخلية والجبال كانت صعبة التبشير وظلت المعابد الوثنية مزدهرة حيث نجد معبد الشمس في بعلبك يبنى في القرن الثاني ميلادي و معابد فقرا الوثنية.

 مع حلول القرن الرابع توقف الإضطهاد تجاه المسيحيين نهائيا و أعلن السماح بالدين المسيحي حوالي 313م في أرجاء الامبراطورية الرومانية على يد قسطنطين الكبير.إن الوضع انقلب و ابتدأ الاضطهاد المعاكس تجاه الديانات الوثنية والمدارس الفلسفية الوثنية ومن ثم أصبح الإمبراطور يعتبر نفسه المدافع الأول ليس فقط عن الأمن السياسي في امبراطوريته ولكن عن السلام الكنسي و القضايا اللاهوتية. فالوحدة الدينية والوحدة السياسية وجهان لعملة واحدة بما عرف: Cesaro- papisme. فكانت المجامع المسكونية تعقد بناء على طلب الامبراطور وبرئاسته وحضوره أكثر الأحيان. وكلنت مقرراتها اللاهوتية أو التنظيمية تنفذ بواسطة أوامر امبراطورية و أساليب عسكرية…

 كانت المجامع التي هدفها توحيد المسيحيين ومحاربة البدع، تأتي بنتائج عكسية وتسبب انشقاقات جديدة و نشوء  كنائس مستقلّة تعبّر عن التّوق الى الاستقلال السياسي، خاصة بعد المجمع الخلقيدوني سنة 451 م. “ان الانشقاق الداخلي الذي حدث في الشرق ابّان القرن السادس بين مناصري المجمع الخلقيدوني ومناوئيه كان سببه الإختلاف في التعابير اللاّهوتية في طبيعتي السيد المسيح. و لم تتأصل هذه الاختلافات اللاهوتية الدقيقة في عقول العامة إلاّ بفضل ما أثير حولها من نعرات قومية وطنية لتحمس الأقباط والسريان والأرمن لها وهدفها مقاومة دولة “الروم المستعمرة” (1) ” تاريخ الكنيسة الشرقية – المطران ميشال يتيم”.

 بنفس التحليل نجد الشعب السرياني في بلاد ما بين النهرين يعتنق البدعة النسطورية في وقت مبكّر بحيث يكون تأسيس الكنيسة السريانية الشرقية علامة تمايز عن كنيسة بيزنطية و الدولة البيزنطية وسبيلا لا تقاء الإضطهاد من قبل الحكم الفارسي…

بمناصرة هذا المجمع الخلقيدوني كانت جماعة رهبانية قد اقتدت بالقديس مارون الذي توفي حوالي 410 م. و قد تمّ بناء دير مار مارون على العاصي حوالي 452 في منطقة أفاميا قرب حماه بأوامر من الامبراطور مرقيانوس وسعي من تيودوريطس اسقف قورش وذلك للدفاع عن التيار الملكي الخلقدوني في بلاد سوريا. هذا الدير له الأسبقية على أديار المنطقة في القرن التالي لأن التبشير المسيحي انتشر من دير مار مارون على العاصي نحو جبل لبنان حيث لايزال نهرابراهيم تيمنا بالراهب ابراهيم الذي بشّر أهل الجبال.

مع حلول القرن السابع نجد الصورة المشرقية كما يلي : انقسام ديني بشكل كنائس قومية عند كل من الأقباط في مصر والأرمن في أرمينيا والسريان في بلاد السريان مع وجود الملكيين السريان الأرثوذكس والملكيين السريان الموارنة والسريان المشارقة في بلاد فارس… على الصعيد السياسي نجد البلاد عرضة لحرب طاحنة بعد الغزو الفارسي ابتداء من 612 وسقوط انطاكيا والمشرق السرياني و مصر بحيث يقوم الامبراطور هرقل بحرب استرجاع للمناطق و للصليب المقدس حتى سنة 628.

3 – المّد الاسلامي

أما المفصل التاريخي في مصير المشرق فهو الإجتياح الاسلامي الذي امتدّ خارج الجزيرة بعد موت النبي محمد حوالي 632 م بحيث تحولت الغارات الخجولة الى اكتساح كامل مع معركة اليرموك 636 م (من روافد نهر الاردن) ومعركة القادسية 637 م. المعركة الاولى تمّ فيها انكسار الامبراطورية البيزنطية والمعركة الثانية تمّ فيها انكسار الامبراطورية الفارسية…أمّا كيف استطاع الجيش الاسلامي الإنتصار على الامبراطوريتين البيزنطية والفارسية فهنالك سببان أساسيان، ان العقود القليلة التي سبقت هذا الانتصار شهدت حروبا دامية بين هذين الجبارين أدت الى استنزاف قواهما على طول الجبهات المشرقية. والسبب الثاني ان الشعوب السريانية كانت بأغلبيتها من الكنائس المنفصلة عن الكنيسة البيزنطية فكان موقفها المبدئي هو الترحيب بالاحتلال الاسلامي علّه يخلّصهم من الاستبداد البيزنطي فكان الإنتقال من الدلفة للمزراب. عند هذا المنعطف الخطير كان لا بدّ للوجود المسيحي أن يواجه خيارات مصبرية، وقد حددها الإسلام بثلاثة

الدخول في الاسلام: أسلم تَسلم (ممّا أدّى الى أسلمة الشعوب المشرقية و شمال افريقيا). 

لذمية و الجزية: وهو خيار المسيحيين الباقين بحيث حافظوا على أرواحهم وممتلكاتهم مقابل التخلّي عن حقوقهم المدنية و السياسي

الترحيل والاقتلاع: كما يجملها المطران يتيم في وصفه التالي في كتاب (تاريخ الكنيسة الشرقية) “لقد اتصفت العهود الاسلامية الاولى بالسماحه ورحابة الصدر فسمحت لمن شاء من السكان والرهبان والموظفين بالهجرة الى الاراضي ايطاليا و جزيرة صقلية. و حافظ الباقون على كنائسهم و أموالهم و حريتهم الدينية و شرائعهم الخاصة بقيادةأساقفتهم. أمّا الخيار الرابع الذي لم يخطر ببال المسلمين فهو المقاومة والنضال الذي قرّره موارنة بلاد السريان حيث التحقوا بموارنة جبل لبنان وقام القديس يوحنا مارون بتأسيس البطريركية المارونية الانطاكية حوالى 685 م. متحدّيا السلطة الكنسية البيزنطية و السلطة العسكرية الإسلامية… على أن مركز البطريركية المارونية لم يستقر في لبنان نهائيا قبل حوالى سنة 938 مع خراب دير مار مارون على العاصي… فكان القرار  المصيري المرتكز على مثلث الحياة المسيحية الحرّة في لبنان السرياني.

 أمّا في أرجاء الإمبراطورية الأمويّة التي امتدت من مشارف الصين مروراً بالشرق الأوسط و الجزيرة العربية الى شمال افريقيا و اسبانيا حتى أواسط فرنسا، فإن الاستعمار اللغوي والثقافي أخذ يشقّ طريقة ابتداءً من سنة 696 وذلك باعتماد اللغة العربية كلغة رسمية في كل الدواوين بدل السريانية واليونانية والفارسية. و ثانيا اعتماد عملة اسلامية بدل العملة البيزنطية. هذان الإصلاحان كانا من أهم أسباب توطيد النفوذ الاسلامي و إعطاء الحكم صفة مركزية ممّا ساهم في ترسيخ الهوية العربية الاسلامية بحيث أصبحت كلمة عروبة ملازمة للإسلام… هكذا أصبحت المعركة الثقافية و اللغوية وجها ثانيا لمقاومة الشعب السرياني المسيحي الذي ظلّ يحافظ على تراث و حضارته من خلال انتاجاته الفكرية المؤتمنة في الأديرة و من لغته المحكيّة في القرى والجبال. فالقديس يوحنا الدمشقي الذي عاش تحت الحكم الأموي في القرن الثامن كتب نتاجه كلّه بالسريانية واليونانية (توفي 754).

نجد أنه بعد أن كانت سائر المناطق قد أسلمت في دينها وتعرّبت في لغتها، ظلّ جبل لبنان مسيحيا في دينه وسريانيا في لغته وقوميته: “ومنذ ذلك الحين بدأ الجبل اللبناني بالظهور على المسرح السياسي في هذا القسم من العالم، هذا الجبل اللبناني بقيادة الموارنة، و ركائزه الجغرافية هي جبّة بشرّي و بلاد جبيل و بلاد البترون”. (فيليب حتّي)

أمّا عن معاناة المسيحيين الرّازحين تحت نير الحكم الإسلامي فإن المؤرخ فيليب حتّي يصفها كما يلي: ظهور لبنان وكأنّه جزيرة مسيحية صغيرة في بحر من الإسلام، فنزحت الى أقسامه الشمالية جماعات مسيحية من المناطق المجاورة، و البعض هرب من دفع الجزية أو تجنّبا لأن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية والبعض هرب ممّا فرضه الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز (717- 720) من قيود وتمييز بين المواطنين فرضت بشكل تشريع على أهل الذمةّ كانت الأولى من نوعها وخلاصتها: أنه منع المسيحيين من الوظائف الحكومية العامة وحظّر عليهم لبس العمائم، و طلب اليهم أن يلبسوا ثياباً ذات زنانير من جلد تميّزهم عن سائر الناس، و أن يركبوا الدابة دون أن تسرج أو أن يكون عليها بردعة، و ألا يبنوا كنائس، وأن تكون صلواتهم بصوت منخفض لا يُسمع بالخارج.

إن الحكم العبّاسي لم يكن كالحكم الأموي في تسامحه وتحرره، و لنا أن نعتقد أن هجرة المسيحيين الى لبنان ازدادت أيام العباسيين لا سيما في خلافة هرون الرشيد (786- 809)، وفي خلافة المتوكل (847- 861) ولنا أن نعتقد انه عند منصرم القرن العاشر أصبحت سوريا و مصر و العراق بلدانا اسلامية في حياتها ومظاهرها العامة. أما في مصر فان القوانين التي سنّها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (996-1021) أجهزت على ما تبقّى من معالم النصرانية وجعلت البلاد بلاداً اسلامية محضة. غير أن الأمم المغلوبه على أمرها أبدت من المقاومة اللغوية ما  لم تبده في المقاومة الحربية أو الدينية، و لم يتمّ انتصار العربية كلغة يتكلّمها الناس المغلوبون على أمرهم إلاّ عند منصرم العهد العباسي أي في أوائل القرن الثالث عشر، كما نجد المسيحيين في فرنسا عرضة للمعاناة نفسها لأن الفتح الاسلامي وصل إلى عمق فرنسا و لم يتراجع إلا بعد معركة بواتييه 732، بيما استمرّ الإحتلال الإسلامي لاسبانيا أكثر من خمسة قرون

في لبنان نستخلص ما يلي: ان تاريخ الشعب المسيحي السرياني ممتزج بتاريخ الكنيسة في جبل لبنان و هو تاريخ الإضطهاد والمقاومة: “فليس لدينا عن حياة الموارنة في الجيل الثامن و حتى الحادي عشر إلا هذان المستندان، الجنائن التي نحتوها في الصخور والصلوات التي كانوا يصلّونها” . (كتاب الموارنة لميشال عويط)

يقول المؤرخ والمطران اقليميس: “لبنان وسكانه منذ القديم آراميون ، كان معمورا بهم من أيام ملوك السريان. وازداد عمارة في أيام داود الملك الاسرائيلي عند محاربته هدد عازار ملك آرام دمشق وأريوخ السرياني ملك حماة. وقد هرب كثير من السريان وتحصنوا هناك في جبل لبنان وكثروا فصاروا خلقاً وافراً. و بعد ظهور السيد المسيح دُعيوا إلى الدين القويم دين النصرانية فلبوا النداء وتنصروا جميعا واشتدّ ساعدهم وقويت شوكتهم”. (اللمعة الشهيّة ،اقليميس داود 1896) ويقول المؤرخ يوسف الدبس: ” وما لبث أن دُعي هولاء السريان باسم جديد ألا وهو الموارنة نسبة إلى الراهب السرياني مار مارون الذي عاش في القرن الرابع و مات عام 410  م”.

 ثمّ يقول: “فالموارنة إذاً، جماعة من السريان دانوا بالدّين المسيحي مذ كان في مهده واستمرّوا متشبثين بعرى الدين الحق لدى ثوران عواصف البدع في سورية بإرشاد القديس مارون ورهبانه الأفاضل ، الذى يعتبر أبا لهذه الطائفة وشفيعاً”. ( تاريخ سورية الدنيوي والدّيني، يوسف الدبس)

في الحقيقة، إن التاريخ القومي اللبناني كشعب سرياني تَمسّك بكيانه على الدوام سيّدا حرّا مضحياً بكلّ شيء من أجل استمراره و الحفاظ عليه، اصطدم بالفتح العربي الذي حاول تغيير تلك الملامح بالقوة. و إن لبنان المسيحي السرياني قبل القرن السابع كان مرتبطا بسائر المشرق المسيحي الآرامي كما بالغرب، داخل الدائرة الحضارية الواحدة. لكن تغيير ملامح المنطقة الآرامية المشرقية وفرض الإسلام والعروبة عليها أدّى الى فك الارتباط العضوي بين سكان لبنان المسيحي السرياني وسائر المنطقة المعرّضة، بحيث شهدت المنطقة تناقضاً ومواجهة بين قوميتين عربية إسلامية من جهة وسريانية مسيحية من جهة أخرى و صراع  بين حضارتين ماتزال نتائجه تتفاعل ليومنا.

إن هذا التناقض الحضاري قد بدأ في لبنان مع حملات الخليفة العباسي المنصور ابتداءً من سنة 758 الذي سهّل الإستيطان الاسلامي على السواحل اللبنانية بواسطة القبائل القادمة من الجزيرة العربية. وهكذا تحولّت طبيعة الصراع من حرب بين دولة مسيحية في جبل لبنان و دولة اسلامية تحيطها الى صراع على الأرض الواحدة بين شعبين بعدما أعتبر المستوطنون أنفسهم السكان الشرعيين. أهمية الصورة بالغة الخطورة فهي ترشدنا الى تطوّر النيّة الاسلامية في المنطقة… (1) (تاريخ لبنان، الدكتور فيليب حتّي).

 فإذا كانت ولادة القضية المشرقية تحدد بحوالى سنة 636 أى بالفتح الاسلامي وما استتبعه من مدّ على كل الأراضي المشرقية الآرامية مما بلور الهوية المسيحية اللبنانية والنزعة الإستقلالية في جبل لبنان، فإن ولادة القضية اللبنانية تحدد بحوالي سنة 758 أي بالخطة الإستيطانية على السواحل اللبنانية وما ولدت من ثنائية في الهوية والإنتماء و ما زالت تتفاعل حتى يومنا: فمن ناحية هناك الشعب المسيحي السرياني ومن الأخرى هناك الشعب المسلم العربي في لبنان. وكلّ كلام عن وحدة الشعب هو من باب التغاضي عن حقائق التاريخ أو من باب التزوير التاريخي. فإذا كنّا نستطيع الكلام عن شعب يوغوسلافي واحد أو شعب قبرصي واحد عندئذ نستطيع الكلام عن شعب لبناني واحد…

 مع تقلبات الزمن ونهاية القرن الحادي عشر وصلت الحملات الصليبية بين (1097- 1099) فتنادت المدن الساحلية لمقاومة الافرنخ، هذه المدن كانت ذات طابع اسلامي وتابعة للحكم الفاطمي تارة والعباسي طوراً. أما مسيحيو الجبل فيقول عنهم المؤرخ الصليبي غليوم الصوري: “ولما خيّم الفرنج فوق مدينة طرابلس في زحفهم على اورشليم بعد فتح انطاكية هبطت عليهم جماعة من المؤمنين السريان الذين يسكنون جبل لبنان فوق جبيل والبترون وطرابلس… لأجل تهنئتهم وعرض خدماتهم عليهم. فرحّبوا بهم بعواطف الحب الأخوى و اتخذوا منهم هداة يرشدونهم”  لكن هذه الحملات التي دامت مئتي سنة كانت من القضايا الكبرى الخاسرة في التاريخ، فهي لم تسيطع تحقيق هدفها وهو تحرير الأراضي المقدسة كما أن مساحة الإحتلال الصليبي جاء صغيرا جدا فلم يشمل لا دمشق ولا حمص ولا حماة ولا حلب، كما أن الثمن الذي دفعه المسيحيون بعد الانسحاب الصليبي من المشرق جاء باهظاً جداً… إن من حيث التهجير الجديد من المدن الداخلية كحلب و غيرها و إن من حيث الحملات العسكرية على جبل لبنان كما سنرى.

 فالمماليك قاموا بحملات متتالية على جبل لبنان لإخضاعه بمشاركة التنوخيين وذلك من سنة  128إلى أن جاءت الحملة الكبرى سنة 1305 التي أسقطت الإستقلال المسيحي تماما. هذا الاستقلال الذي دام ستة قرون الذي لن نجد له ذكرا في أيّ كتاب للتاريخ حفاظاً على الوحدة الوطنية!…  كما أن معركة 1293 التي انتصر فيها الجيش المسيحي السرياني بما عرف بمثلّث الفدار جبيل المدفون حيث واجه 30 ألف مسيحي نحو مئة ألف من جيوش المماليك والعشائر العربية وانتصروا عليها من دون مساعدة الصليبيين و لا البيزنطيين. هذه المعركة لا يتكلّم عنها تاريخنا الرسمي حفاطا على وحدة الشعب؟؟؟ هذه المعركة كانت آخر وقفة استقلالية للوطن القومي المسيحي السرياني لأن حملة هائلة تمّ تجريدها سنة 1305، حملة كسروان هذه قد غيّرت مرة أخرى وجه التاريخ : فإذا كانت معركة اليرموك المفصل التاريخي المصيرى الذى سمح للغزو الاسلامي أن يمتدّ إلى مناطق المشرق الآرامي وسيطر عليها ما عدا جبل لبنان الذي حافظ على استقلاله وكيانه طيلة سبعة قرون، فإن حملة كسروان واجتياحها قد أدّت إلى سقوط الوطن السرياني المسيحي وإلى سيطرة الحكم الاسلامي المملوكي على جبل لبنان أي ما تبقى من بقعة حرّة في المنطقة المشرقية.

 قام المماليك بخطّة استيطانية جديدة يصفها كتاب التاريخ المدرسي كما يلي: “عمد المماليك الى توزيع المناطق على أعوانهم فأقطعوا كسروان للعسافيين والغرب وبيروت للتنوخيين، وذلك منعاً لنزول الصليبيين إلى البرّ و حرصاً على أن لا يتمّ بينهم و بين الكسروانيين أي اتصال”.  و هذا المقطع غني عن أي تعليق…

 فوجود القرى الاسلامية ناحية ترشيش مثلاً سببه مراقبة مرفأ بيروت لصالح المماليك. و في النهاية قام المماليك بردم المرافىء لمنع أي إنزال بحري…

 إنّ مرحلة الإحتلال المملوكي هي مرحلة مظلمة إن من حيث المعاناة المسيحية و إن من حيث قلّة الوثائق التاريخية… لكن الأكيد أن العنصر الأساسي الذي مكّن الشعب المسيحي السرياني من الإستمرار بالرغم من نير الاحتلال هو التفافه حول المؤسسة الكنسية التي استمرّت بدورها التاريخي و جمعت بين المسؤولية الدينية و المسؤولية المدنية الى جانب السياسية التي كانت بيد المقدمين (حتى يتسنى للمماليك جمع الجزية بسهولة) من تواريخ المعاناة في القرن الرابع عشر حوالى سنة 1367 تاريخ استشهاد البطريرك حجولا حرقاً على أبواب طرابلس… مما أضعف سلطة البطريركية لمصلحة المقدمين وحصولهم على الرتبة الشدياقية… إن الإضطهاد الذى طاول الكرسي البطريركي قد أدّى إلى نزوح البطريرك يوحنا الجاجي من ايليج في ميفوق الى وادي قنّوبين سنة 1440 حيث استمرّت البطريركية بين أحضان الوادى المقدس في الأديار المنحوتة في الصخر ما يقارب الأربعمئة سنة.

إن سقوط القسطنطينية سنة 1453 قد فتح أبواب المنطقة أمام الغزو العثماني. فبعد أن أكمل السلطان سليم فتحه تجاه الفرس قام بالالتفاف غدراً على المماليك والإنتصار عليهم في مرج دابق قرب حلب سنة 1517 مما سمح بالسيطرة على المنطقة المشرقية وصولاً إلى مصر، فقد أصبح المسيحيون ذوو الطقس البيزنطي يتبعون بطريركا يتمّ تعيينه من قبل السلطان العثماني في اسطنبول، إمعاناً في السيطرة على الشعوب المسيحية تحت الإحتلال…

 أما في لبنان فيقول لحد خاطر في كتابه “لبنان والفاتيكان” ما يلي: “أثناء تفاوض السلطان سليم مع البطريرك شمعون الحدثي الماروني، أقنعه البطريرك بأن لبنان منذ القدم يتمتّع باستقلال داخلي والبطريرك لا يتلقّّى الفرمان كسائر البطاركة، فأعفى السلطان البطريرك الماروني من قبول الفرمان الذي كان قد فرضه على بطاركة الشرق”.

 إن النظام السياسي العثماني قد حافظ على تقسيم الولايات كما كان يعيّن الامراء والحكام سنوياً لقاء مبالغ من الجزية والضرائب لتجديد هذا التعيين … سنة 1535: الملك الفرنسي فرانسوا الأول يعقد معاهدات مع السلطان العثماني ذات طابع اقتصادي و تجاري و ديني حيث كان لفرنسا دور في حماية الكاثوليك داخل السلطنة العثمانية مما فتح المجال للإرساليات في المشرق. سنة1540 الأمير عسّاف التركماني يسمح بعودة الموارنة الى كسروان… بحيث بدأ حلف بين منصور وبنو عسّاف السنّة والموارنة ممثلين بآل حبيش.

مع القرن السادس عشر نرى نهضة عند المسيحيين والموارنة على كل الأصعدة: روحياً و اجتماعياً و سياسياً طبقاً لهدفين كانا نصب أعين الشعب الماروني 😦 الأباتي بولس نعمان)

الهدف الأول هو الحكم الذاتي داخل جبل لبنان.

الهدف الثاني هو التعاون الحّر و التبادل مع الجوار والحلفاء في داخل البلاد أو خارجها.

 فقد كان لزيارة الموفد البابوى اليانو سنة 1579 الأثر الكبير من حيث عقد أول مجمع ماروني، ومن حيث إنشاء المعهد الماروني في روما سنة 1584 ( بعد مدرسة القديس أثناسيوس لليونان 1576) كما أُنشئت المدرسة الأرمنية في روما… هذا المعهد الماروني خرّج الاكليريكيين و المطارنة و كذلك البطاركة على مدى قرنين من الزمن مما شكل نهضة في جسم الكنيسة و المجتمع عدا عن النهضة التي قام بها الخرّيجون الذين انتشروا في دول اوروبا…

 هنا نجد في تقارير الموفدين اليانو ثم دانديني ذكر “للشعب الماروني” و “الأمّة المارونية” و ذلك لانتشارهم في مناطق محدّدة، حيث يمارسون طقوس و صلوات مميّزة، مع عادات و تقاليد مميّزة، في علومهم و في بنيتهم العسكرية أو السياسية داخل البلاد أو خارجها ممّا شكّل بنية مجتمعية متماسكة…

 إن الاتصال مع الغرب قد سرّع  بالنهضة الفكرية من حيث إدخال التقويم الغريغوري سنة 1606 ثم إدخال أوّل مطبعة الى الشرق سنة 1610 في دير مار انطونيوس قزحيا. أما تحت حكم فخر الدين الثاني فقد أدّى الحلف الجديد مع الموارنة إلى الانتشار السكّاني في الشوف كما شاركت الكنيسة في رسم السياسة الخارجية للإمارة على اتصالاتها مع الإمارات الايطالية، كما أن الهيكلية العسكرية اعتمدت ايضا على الموارنة…

 ابتداءً من سنة 1625 توافد المرسلون الغربيون إلى بلاد الشرق و خاصة إلى مدينة حلب حيث كان لهذه الإرساليات و الجهود القنصلية الفرنسية الأثر الفعّال في اتحاد كنائس شرقية مع روما في القرن الثامن عشر: حيث نشأت طائفة السريان الكاثوليك 1657 و الروم الكاثوليك 1724 و الأرمن في نهاية القرن السابع عشر نجد حدثين مهمّين، الأول سياسي وهو انتقال الإمارة إلى الشهابيين سنة 1697 ، والثاني ديني و هو الإصلاح الرهباني مع البطريرك الدويهي وتأسيس الرهبانيات المارونية الثلاث على مراحل … هذه الرهبانيات ساهمت كثيرا في التوزيع السكاني و في توزيع الملكية العقارية…

 وفي النهاية لابد من ذكر المجمع اللبناني سنة 1736 حيث تمّ تنظيم هيكلية الكنيسة المارونية و إنشاء الأبرشيات إلى جانب أمور تنظيمية كثيرة… حيث كان الموفد البابوي العلأّمة السمعاني الحصروني.

خلاصة

أما العِبر التي لا بدّ من استنتاجها من معاناتنا التاريخية فهي على مستويين اثنين:

–  مستوى القضية المسيحية.

–  مستوى الهوية السريانية.

أولاً – بما يختضّ بالقضية المسيحية، فهي قضية مثلثة الجوانب كما وصفها الاستاذ طوني مفرّج وهي العيش المسيحي الحرّ في لبنان. وهذا المثلّث له جذور تاريخية قد أحطناها في عرضنا السابق.

ثانيا – ما يختصّ بالهوية السريانية: هذه الهوية في مكوناتها تجمع الشعب السرياني الآرامي بشتّى طوائفه ومذاهبه.

والمكّونات الأربع للهوية القومية هي: الدين، اللغة، التاريخ، والحضارة الواحدة. فمن حيث الدين نجد أن المسيحية تجمع شتّى الطوائف المشرقية بمذاهبها وطقوسها المختلفة.¨

من حيث اللغة فإن الينبوع اللغوي الأساسي للمنطقة هو الآرامي السرياني.

من حيث التاريخ فالشعب السرياني المسيحي بطوائفة ومذاهبه كافة يجمعه تاريخ واحد من المعاناة والنضال خلال 13 قرنا. من حيث الحضارة بالمعنى الواسع بما يشمل الإرث الثقافي و الاجتماعي والفكري فهي بشكل أساسي الحضارة الآرامية السريانية المسيحية.

لذلك نرى أن وجود هويتين مميزتين في لبنان هو جوهر القضية والصراع التاريخيين كما أن نكران هذه التعددية هو من المعاناة التي يتحمّلها المسيحيون من حيث نكران هويتهم السريانية المميزّة وتاريخهم السرياني الآرامي الحقيقي لأن الشعب الذي ليس له تاريخ ليس له وجود… اذ يقول الشيخ شمس الدين (في مجلة الرعية، عدد ت 2 سنة 1992): “أنا أعارض شعار ” لبنان مجتمع تعددي” وأقول ” لبنان مجتمع متنوع ” وليس متعددا واذا أفسحنا مجالاً لمفهوم التعدديات تكون هناك مجتمعات، والترجمة السياسية للتعددية هي الكونفدرالية أو الفيدرالية”.

ونحن نوافقه على الاستنتاج الأخير فقط…

Advertisements
التصنيفات :Uncategorized
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: